بقلم د. ميراي زيادة – العالم اليوم لا يترقب خبراً اقتصادياً، بل يترقب قراراً عسكرياً.
الأنظار تتجه إلى واشنطن: هل ستوجه الولايات المتحدة ضربة لإيران؟
لكن في السياسة الدولية، الضربات لا تبدأ يوم إطلاق الصواريخ.
هي تبدأ قبل ذلك، بصمت، عبر إعادة ترتيب الخرائط.
قبل نحو شهرين، مرّ حدث لم يحظَ بالضجيج الكافي: تحييد فنزويلا سياسياً وإخراجها من معادلة التوتر المفتوح. في حينه، بدا الأمر وكأنه ملف مستقل في أميركا اللاتينية. أما اليوم، ومع تصاعد احتمالات المواجهة مع إيران، يصبح من المشروع إعادة قراءة تلك الخطوة ضمن سياق أوسع.
المسألة ليست في أهمية فنزويلا النفطية بحد ذاتها.
الصين تستطيع تعويض النفط من مصادر أخرى، وإيران ليست معتمدة على كاراكاس لتستمر.
لكن الجغرافيا السياسية لا تُقاس فقط بحجم البراميل، بل بمساحات النفوذ.
فنزويلا كانت خلال السنوات الماضية نقطة التقاء مصالح بين بكين وموسكو وطهران في نصف الكرة الغربي. وجودها خارج السيطرة الأميركية منح خصوم واشنطن مساحة خلفية للتحرك السياسي والاقتصادي. وعندما تُغلق هذه المساحة، فإن الرسالة لا تكون موجهة إلى كاراكاس فقط، بل إلى من يقف خلفها.
إذا كان التصعيد مع إيران احتمالاً قائماً، فإن أي استراتيجية أميركية عقلانية ستبدأ بتقليص هوامش المناورة لدى الخصوم. ضبط ساحة في أميركا اللاتينية يعني تقليل التشابكات غير المباشرة في لحظة التوتر. وهو أيضاً جزء من إدارة سوق الطاقة قبل أي صدمة محتملة في الخليج.
فأي ضربة لإيران لن تكون مجرد عملية عسكرية، بل حدثاً له ارتدادات على أسعار النفط، الشحن البحري، التأمين، وسلاسل الإمداد. لذلك فإن إعادة ضبط ممرات الطاقة في أماكن أخرى يصبح خطوة احترازية، لا تفصيلاً عابراً.
الصين تراقب هذه التطورات بحذر. ليس لأن فنزويلا تمثل شرياناً حيوياً لا يمكن الاستغناء عنه، بل لأنها جزء من شبكة أوسع من النفوذ والاستثمارات. وكلما تقلصت هذه الشبكة في نقاط معينة، ازدادت حساسية التوازن الاستراتيجي.
هنا لا يكون الحديث عن “العودة إلى ملف قديم”، بل عن قراءة متسلسلة للأحداث. ما يجري اليوم في الخليج قد تكون مقدماته قد بدأت بعيداً عنه، في الكاريبي.
في عالم تتداخل فيه الطاقة بالردع العسكري، والاقتصاد بالسياسة، لا تتحرك القوى الكبرى بردّ الفعل، بل بتراكم الخطوات.
وإذا حدثت الضربة، فلن تكون لحظة منفصلة عن سياقها، بل نتيجة مسار بدأ بإعادة رسم هوامش النفوذ.
فمن كاراكاس إلى طهران، الخيط واحد:
إعادة ترتيب الساحات قبل المواجهة.

