بقلم د. ميراي زيادة – ليست المشكلة في أن واشنطن رفضت عرض إيران عام 2003.
المشكلة أن الطرفين أمضيا عشرين عاماً لإعادة اكتشاف أن لا مفرّ من الفكرة نفسها.
في لحظة انهيار بغداد، كانت الولايات المتحدة تعتقد أن هندسة المنطقة مسألة وقت.
وكانت إيران تعتقد أن تقديم عرض شامل قد يجنّبها الدور التالي في لائحة التغيير.
واشنطن قرأت العرض ضعفاً.
طهران قرأت الرفض إعلان حرب مؤجلة.
ومن تلك اللحظة، لم يتوقف المسار الانحداري.
من فرصة تسوية إلى اقتصاد صراع
لو قُبل عرض 2003، لكانت المنطقة دخلت مرحلة إعادة ترتيب باردة.
لكن الرفض فتح باباً مختلفاً: باب إدارة الفوضى بدل احتوائها.
تحولت إيران من دولة تفاوض من موقع القلق إلى دولة تفاوض من موقع الشبكة:
شبكة ميليشيات، نفوذ عابر للحدود، أوراق ضغط موزعة جغرافياً.
وفي المقابل، انتقلت الولايات المتحدة من نشوة الأحادية القطبية إلى استنزاف مكلف في العراق وأفغانستان.
هكذا نشأ “اقتصاد الصراع” في الجانبين:
في طهران، اقتصاد العقوبات.
في واشنطن، اقتصاد الردع والتحالفات العسكرية.
كل طرف أصبح لديه ما يخسره من السلام.
لماذا عادت الفكرة الآن؟
السبب ليس أخلاقياً.
بل استراتيجي بحت.
لأن الجميع بات أمام معادلة واضحة:
لا حرب شاملة يمكن ضبط نتائجها.
ولا اتفاق جزئي يمكن أن يصمد.
النووي وحده لا يحل المعضلة.
والصواريخ وحدها ليست أصل المشكلة.
والأذرع ليست سوى انعكاس لفراغ سياسي أعمق.
المطلوب ليس اتفاقاً تقنياً، بل إعادة تعريف للعلاقة بين النظام الإيراني والنظام الدولي.
وهذا ما كان معروضاً بشكل بدائي في فاكس 2003.
الفارق الجوهري بين الأمس واليوم
عام 2003 كانت إيران تفاوض من موقع ضعف استباقي.
اليوم تفاوض من موقع إنهاك متبادل.
عام 2003 لم يكن لواشنطن خصم استراتيجي يعادل الصين.
اليوم كل قرار تجاه طهران محسوب في سياق المنافسة الكبرى.
عام 2003 كان الاعتقاد أن تغيير النظام ممكن.
اليوم السؤال هو: هل يمكن احتواء النظام دون تفكيكه؟
هذه الفروقات تجعل العودة إلى الفكرة ممكنة من حيث المبدأ، لكنها أعقد بكثير من حيث التنفيذ.
العقدة الحقيقية: من يملك قرار الصفقة؟
في طهران، الصراع ليس بين مؤيد للحرب ومؤيد للسلام، بل بين:
من يرى أن الانفتاح يهدد منظومة النفوذ الاقتصادي الداخلي.
ومن يرى أن استمرار العزلة يهدد بقاء النظام نفسه.
وفي واشنطن، الصراع ليس بين دبلوماسية وقوة فقط، بل بين:
من يريد صفقة تُحسب له سياسياً واقتصادياً.
ومن يرى أن لحظة إضعاف إيران فرصة تاريخية لا يجوز تفويتها.
بين هذين المعسكرين، يتحرك القرار.
هل يمكن إنتاج مقايضة جديدة؟
نعم، لكن بشروط مختلفة:
أن يتحول الاتفاق إلى مصلحة اقتصادية ملموسة للطرفين.
أن يُربط أمن إسرائيل بتفاهم إقليمي لا بإلغاء إيران.
أن يُقنع الداخل الإيراني بأن الانفتاح لا يعني انهيار النظام.
أن يُقنع الداخل الأميركي بأن الاحتواء أقل كلفة من المواجهة.
هذه شروط لم تكن مطروحة بوضوح في 2003.
الخطر لا يكمن في فشل التفاوض.
بل في سوء تقدير اللحظة.
كل طرف قد يعتقد أن الآخر سيتراجع عند عتبة معينة.
لكن التاريخ في المنطقة أثبت أن العتبات غالباً ما تُكسر بالخطأ.
وهنا تصبح “المقايضة الكبرى” ليست فرصة ضائعة…
بل فرصة أخيرة.

