بقلم: الدكتورة ميراي زيادة
المشهد الإقليمي … عندما تُدار الأزمات على الحافة!
المنطقة اليوم لا تعيش مرحلة انتقالية عادية، بل تقف عند مفترق حاسم بين مسارين لا ثالث لهما: الدبلوماسية أو الحرب.
الولايات المتحدة وضعت إيران أمام خيارين واضحين وصريحين:
إمّا تفاوض يفرض تنازلات نووية قاسية،
وإمّا مواجهة عسكرية غير متكافئة قد لا تقتصر تداعياتها على الردع، بل تمتد إلى تهديد بقاء النظام نفسه.
ما يجعل اللحظة مختلفة فعلًا هو حجم ما يُتداول خلف الكواليس. للمرة الأولى، تتحدث تسريبات جدّية عن احتمال:
نقل تخصيب اليورانيوم خارج الأراضي الإيرانية بالكامل،
إخراج كامل مخزون اليورانيوم المخصّب (نحو 400 كلغ)، مع ترجيح نقله إلى روسيا.
وهذان البندان لم يكونا تفصيلين تقنيين في تاريخ التفاوض النووي، بل خطّين أحمرين استراتيجيين لطهران.
لكن إيران، في المقابل، ترفض توصيف ما يجري على أنه تنازل. الرواية الإيرانية واضحة:
ما حصل ليس تراجعًا، بل نتيجة ردع.
واشنطن، بحسب هذا المنطق، جلست إلى الطاولة لأنها عاجزة عن فرض الحرب، لا لأن طهران تراجعت عن ثوابتها.
وفي مقابل هذا “الردع”، تطلب إيران أمرين أساسيين:
ضمانات أمنية واضحة بعدم التعرض لضربة أميركية أو إسرائيلية خلال المفاوضات،
رفعًا واسعًا للعقوبات الاقتصادية والمالية التي تخنق النظام من الداخل.
لماذا إسرائيل معترضة؟
الاعتراض الإسرائيلي ليس تقنيًا ولا تفصيليًا. إسرائيل ترى في أي صفقة محتملة:
فرصة ضائعة لتوجيه ضربة استراتيجية لإيران،
وخطر إعادة إنتاج تجارب تفاوضية سابقة تعتبرها فاشلة بسبب الالتفاف على التنفيذ.
من هنا، ترفع إسرائيل سقف شروطها إلى الحد الأقصى:
وقف نهائي للتخصيب،
قيود صارمة على برنامج الصواريخ،
إنهاء دور الوكلاء في الإقليم.
بعبارة واحدة: ثلاث لاءات
لا نووي، لا صواريخ باليستية، ولا وكلاء.
واشنطن لم تحسم خياراتها بالكامل.
طهران متمسكة بسردية الردع.
إسرائيل تتحضّر لفشل التفاوض أكثر مما تراهن على نجاحه.
وأوروبا باتت خارج اللعبة.
لهذا، فإن إسطنبول ليست جولة مفاوضات تقليدية، بل اختبار توازن دقيق بين الردع والدبلوماسية، تُدار فيه الأزمة على الحافة، لا باتجاه الحسم.
في هذا السياق، لا يمكن فصل ما جرى في بعبدا عن ما يجري في الإقليم.
لقاء رئيس الجمهورية جوزيف عون برئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل حدثًا سياسيًا بحد ذاته.
اللقاء حصل في ذروة توتر سياسي حاد، وحملة مباشرة من حزب الله على رئاسة الجمهورية.
وهنا، مجرد حصول اللقاء هو النتيجة.
الصورة سبقت المضمون، والرسالة كانت أوضح من أي بيان: الحوار بدل الاشتباك، ولو تحت سقف منخفض.
أن يقرأ محمد رعد بيانًا مكتوبًا بعد اللقاء ليس تفصيلًا.
هو مؤشر على انضباط لغوي وسياسي محسوب، ورغبة واضحة بتفادي أي انزلاق أو تصعيد، وإظهار مقاربة مدروسة للعلاقة مع رئاسة الجمهورية تحت عناوين “الوحدة الوطنية” و“التفاهم في مواجهة التحديات”.
لم تكن صورة اللقاء في قصر بعبدا تفصيلًا شكليًا، بل حملت دلالات سياسية دقيقة، خصوصًا من حيث هوية القنوات المعتمدة للتواصل.
فحضور أندريه رحال، المستشار الخاص لرئيس الجمهورية، إلى جانب أحمد مهنا، المعاون السياسي لرئيس كتلة الوفاء للمقاومة، لم يكن بروتوكوليًا، بل رسالة مقصودة.
هذان الاسمان يشكّلان القناة الرسمية الوحيدة للتواصل بين بعبدا وكتلة الوفاء للمقاومة في هذه المرحلة، ما يشير بوضوح إلى إعادة فتح خط اتصال مؤسساتي منضبط، بعيدًا عن المبادرات الشخصية أو القنوات الخلفية، ومن دون أن يعني ذلك تجاوز الخلافات أو تذويبها.
الجوهر: الخلاف ما زال قائمًا
رغم كل ذلك، لم يُكسر الخلاف العميق.
الملفات الأساسية بقيت على حالها:
سلاح المقاومة،
إدارة المرحلة المقبلة،
وتحديد الأولويات الوطنية.
موقف حزب الله، كما عُرض في اللقاء، كان واضحًا: نحن جاهزون للتفاوض، ولكن وفق مقاربتنا.
الجيش اللبناني أنجز مهامه جنوب الليطاني، والكرة اليوم في الملعب الإسرائيلي.
لا مرحلة ثانية، ولا نقاش شمال الليطاني، قبل الانسحاب ووقف العدوان.
الحزب أكد التزامه بوقف إطلاق النار، مقابل استمرار إسرائيل بخرقه يوميًا، وأعاد التأكيد أن النقاش حول حصرية السلاح بيد الدولة ممكن، لكن ليس تحت النار.
اللحظة الأكثر حساسية في اللقاء تمثّلت في سؤال رئيس الجمهورية:
ماذا لو اندلعت حرب أميركية–إيرانية؟
الجواب كان لافتًا:
الحزب غير ملزم بقرار إيراني بالحرب،
كلام الشيخ نعيم قاسم جرى تضخيمه إعلاميًا،
قرار السلم والحرب بات بيد الدولة اللبنانية،
والحزب يقف خلف ما تقرره المؤسسات.
في المقابل، تمسك الرئيس عون بموقفه الثابت: رفض قاطع لجرّ لبنان إلى حرب جديدة،
وإصرار على معالجة ملف السلاح ضمن الدولة والمؤسسات، رغم التباين العميق في الرؤية.
هذا اللقاء لم يكن ليحصل لولا دفع مباشر من نبيه بري.
بري اليوم هو اللاعب الوحيد القادر على لجم الخلاف ومنع الوصول إلى نقطة اللاعودة.
يمتلك علاقة خاصة مع حزب الله، وعلاقة ممتازة مع رئيس الجمهورية، إضافة إلى غطاء دولي وعربي يجعله العنوان الشيعي القابل للتواصل والاعتماد عليه.
لهذا يحرص جميع الموفدين على لقائه، باعتباره القناة القادرة على:
تليين المواقف،
دفع الحزب نحو الالتزام بالقرارات الدولية،
ووضع السلاح على طاولة التفاوض من دون تفجير الداخل اللبناني.
اذا… لا حرب… ولا تسوية
ما يجري في إسطنبول وما جرى في بعبدا ليسا حدثين منفصلين.
الأول اختبار إقليمي بين الردع والتفاوض،
والثاني ترجمة لبنانية لهذا الاختبار.
الرسالة واحدة:
لا حرب محسومة،
ولا تسوية ناضجة،
بل إدارة احتواء تهدف إلى شراء الوقت، وضبط الإيقاع، ومنع الانفجار.
ويبقى السؤال الجوهري مفتوحًا:
هل يمتلك حزب الله تصورًا مختلفًا للحل، في لحظة لم يعد فيها المزاج العام، حتى داخل بيئته، يرى في التصعيد ضمانة للأمان والاستقرار؟

