جويل د. رايبورن: مهندس الدبلوماسية الأميركية الجديدة في الشرق الأدنى
بقلم د. ميراي زيادة
يشهد الشرق الأدنى اليوم انقلابًا هادئًا في قواعد اللعبة الدبلوماسية، بعدما تداخلت الحروب بالأزمات الاقتصادية وتحوّلت ملفات الإعمار واللاجئين والحوكمة إلى قلب الصراع الإقليمي. وفي لحظةٍ يبحث فيها العالم عن لغةٍ جديدة للتعامل مع هذه المنطقة المعقّدة، يطلّ جويل د. رايبورن كمُهندسٍ للدبلوماسية الأميركية الجديدة، بعد تعيينه مساعدًا لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى عام 2025.
رايبورن ليس دبلوماسيًا من طراز الموظفين، بل ضابط سابق في الجيش الأميركي ومفكر استراتيجي جمع بين الميدان والعقل الأكاديمي. من العراق إلى مجلس الأمن القومي، حمل معه تجربةً جعلته يقرأ المشرق كمن يقرأ خريطةً من الداخل، لا كمن يراقبها من بعيد. في كتابه الشهير “العراق بعد أميركا”، كتب أن سقوط الدول لا يبدأ من انقساماتها الطائفية، بل من لحظة غياب الدولة الحديثة القادرة على إدارة التنوع. واليوم، ينقل هذا الإدراك إلى الدبلوماسية، واضعًا معادلةً صارمة: لا دعم بلا إصلاح، ولا انخراط بلا مساءلة.
بالنسبة إليه، لبنان هو ساحة الاختبار الأولى. فبعد حرب 2024–2025 وما خلّفته من دمار وفوضى، لن يكون الدعم الدولي هذه المرة هبةً مجانية، بل عقدًا مشروطًا بالإصلاح الحقيقي. تبدأ الخطة بعودة صندوق النقد الدولي، وتوحيد حسابات الدولة إلكترونيًا، وتدقيقٍ خارجي لمصرف لبنان، فيما يبقى الجيش العمود الفقري للشرعية والاستقرار. أما المساعدات، فسترتبط بنتائج ملموسة على الأرض، بحيث يصبح كل دولارٍ رافعةً لإعادة بناء الدولة لا مكافأةً للسلطة.
وفي سوريا، يواصل رايبورن اعتماد سياسة “الضغط الذكي” التي تبقي العقوبات قائمة مع فتح ممرات إنسانية مراقبة، فيما يضمن في الأردن الاستقرار عبر دعمٍ مالي متجدد وتنسيقٍ ثلاثي لعودة اللاجئين. كل ذلك يُدار من خلال “لوحة قيادة إقليمية” تراقب مؤشرات الأداء شهريًا بالألوان الثلاثة: الأخضر للتقدّم، الأصفر للتباطؤ، والأحمر للفشل.
غير أنّ هذه المقاربة لا تخلو من المخاطر. فالمفسدون الإقليميون، والتعب الدولي من الأزمات، والهشاشة الداخلية في دول المنطقة، كلها عوامل تهدّد المسار الإصلاحي. لذلك يضيف رايبورن بُعدًا اجتماعيًا إلى رؤيته، إذ يقترح دمج الإصلاح المالي بالعدالة الاجتماعية عبر تحويلات نقدية مباشرة للفئات الأكثر ضعفًا، لخلق توازنٍ بين الإصلاح الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
وفي النهاية، تتلخّص فلسفة رايبورن في معادلةٍ واحدة: المال مقابل الدولة. فالولايات المتحدة لا تسعى إلى إسقاط لبنان، بل إلى إعادة هندسة مؤسساته من الداخل، لتتحوّل المساعدات إلى أداة استنهاض لا إلى أداة استتباع. وإذا نجحت التجربة اللبنانية، فستصبح نموذجًا يُنسخ في سوريا والعراق واليمن.
إنها لحظة تحوّل في الفكر الدبلوماسي الأميركي: من إدارة الأزمات إلى هندسة الاستقرار، ومن الصفقات العابرة إلى التقدّم المحسوب والمساءلة الدقيقة. فالمشرق اليوم أمام مفترق طريقين؛ إما أن ينجح لبنان في تثبيت نموذج الدولة الحديثة، وإما أن يستمر زمن الميليشيات بلا نهاية.
“الاستقرار لا يُمنح… يُبنى خطوة بخطوة، تحت عين المحاسبة.”

