“دمشق – تل أبيب: اتفاق تحت النار”
تشهد المفاوضات السورية – الإسرائيلية تسارعًا ملحوظًا في ظل رعاية أميركية مباشرة يقودها المبعوث توم برّاك، وبضغط من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للتوصل إلى اتفاق قبل انعقاد الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة (23 أيلول/سبتمبر 2025).
وبينما تسعى واشنطن إلى تسجيل اختراق دبلوماسي، تجد دمشق نفسها بعد سقوط نظام بشار الأسد أمام واقع جديد قوامه فقدان السيطرة على الجنوب السوري، في مقابل مسعى دولي لإعادة صياغة وضعها الأمني عبر اتفاق أمني جديد مع إسرائيل
أولًا، لا يمكن فهم المفاوضات الحالية من دون العودة إلى سقوط النظام السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024، الذي أنهى عمليًا اتفاق فصل القوات لعام 1974، وفتح الباب أمام إسرائيل للتمدّد داخل المنطقة العازلة واحتلال نحو 600 كم² إضافية.
وثانيًا، في ظل هذا الفراغ، جاءت الحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع لتبحث عن شرعية دولية بأي ثمن، غير أنّ هشاشتها الداخلية والضغوط الاقتصادية جعلتها تدخل المفاوضات من موقع ضعف.
وثالثًا، لا بد من الإشارة إلى أنّ المسار الأميركي لعب دورًا حاسمًا، إذ ربطت واشنطن بشكل مباشر بين تقدّم المفاوضات مع إسرائيل وبين رفع العقوبات على سورية، بما يجعل العملية أقرب إلى “سلام مقابل شرعية” بدلًا من “أرض مقابل سلام”.
وانطلاقًا من هذا السياق، برزت الخطوط العريضة لمشروع الاتفاق، الذي يتضمن:
انسحابًا تدريجيًا لإسرائيل إلى خطوط 1974 مع استثناء مواقع في جبل الشيخ.
اعترافًا متبادلًا، إذ تتعهد سورية بعدم استخدام أراضيها ضد إسرائيل، في مقابل اعتراف الأخيرة بالحكومة السورية الجديدة.
إعادة هندسة للجنوب السوري عبر تقسيمه إلى أربع مناطق:
صفراء: تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
زرقاء: شريط فصل قوات يخضع لرقابة دولية.
حمراء: منطقة سورية منزوعة السلاح بلا مقابل إسرائيلي.
خضراء: منطقة حظر جوي تشمل درعا والسويداء حتى محيط دمشق.
قيود على السيادة السورية من خلال توسيع المنطقة العازلة ومنع الطيران السوري جنوب العاصمة.
وبذلك، يتحول الجنوب السوري إلى فسيفساء أمنية معقدة، تُقيد حركة الدولة السورية وتمنح إسرائيل تفوقًا استراتيجيًا دائمًا.
وهنا، تتضح الدلالات على أكثر من مستوى:
بالنسبة إلى سورية، فإنها تقبل عمليًا وصاية أمنية على الجنوب مقابل شرعية دولية ورفع جزئي للعقوبات.
أما إسرائيل، فتُثبّت احتلالها للجولان وتخلق “جولانًا بديلًا” داخل سورية، بما يضمن أمنها لمدى طويل.
وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، فهي تحقّق إنجازًا دبلوماسيًا يُعرض أمام الأمم المتحدة، وتُعيد إحياء مسار “اتفاقيات أبراهام” بإضافة سورية إليه.
وعلى صعيد الإقليم، يُتوقّع أن تعتبر إيران وحزب الله الاتفاق خيانة استراتيجية، ما قد يفتح جبهات جديدة في لبنان أو العراق، في حين يجد الأردن نفسه أمام ضغط جغرافي–أمني مباشر مع تحوّل الجنوب السوري إلى منطقة نفوذ إسرائيلية.
وانطلاقًا من هذه الدلالات، تظهر مجموعة من المخاطر التي يجب التوقف عندها:
فقدان السيادة الوطنية عبر تقسيم الجنوب السوري لمناطق أمنية مختلفة.
إعادة رسم التوازنات الإقليمية مع خروج سورية من محور المقاومة، ما سيغير موازين القوى في المشرق.
تعميق الانقسام الداخلي السوري، إذ سيُنظر إلى الاتفاق كاستسلام لا كسلام، خصوصًا أنه لا يعيد الجولان المحتل.
في ضوء ما تقدم، يتضح أن الاتفاق السوري – الإسرائيلي المحتمل ليس مجرد ترتيبات أمنية محدودة، بل هو إعادة هندسة جذرية للجنوب السوري وفتح باب واسع لإدماج سورية في مسار التطبيع الإقليمي. غير أنّ قبوله من موقع ضعف يجعله خطوة خطيرة تهدد السيادة وتُكرّس الاحتلال.
ولذلك، أوصي صانعي القرار والدبلوماسيين بما يلي:
التعامل مع الملف السوري – الإسرائيلي باعتباره تحوّلًا استراتيجيًا يُعيد رسم خريطة المشرق.
التنبّه إلى أنّ الاتفاق المقترح يُهدد مبدأ السيادة الوطنية ويخلق سابقة خطيرة في القانون الدولي.
مراقبة تداعياته على لبنان والعراق، حيث قد تُفتح جبهات جديدة ردًا على التطبيع القسري.
الدفع نحو أي مسار تفاوضي يضمن معالجة جوهرية لقضية الجولان، لا مجرد ترتيبات أمنية مرحلية.
بقلم: د. ميراي زيادة

