غرامة مالية على التنمر في لبنان؟!
التنمّر لم يعد مجرّد سلوك فردي عابر، بل تحوّل إلى ظاهرة تهدّد الأمن النفسي والاجتماعي في لبنان. من هنا جاء اقتراح القانون الذي تقدّم به النائب هاكوب ترزيان قبل أيام، والرامي إلى تجريم التنمّر، ليحظى باهتمام لافت. فالقانون، كما أوضح ترزيان، لا يقف عند حدود فرض العقوبات، بل يضع إطارًا أشمل لمواجهة الظاهرة باعتبارها “وباءً” يحتاج إلى مقاربة متعددة الأبعاد. المطلوب ليس السجن والغرامة فحسب، بل الاعتراف أولًا بحجم المشكلة واتخاذ خطوات جدية للتصدي لها، عبر مسارات وقائية تربوية ونفسية تواكب التشريعات الزجرية.
لا أثر لأي ارقام رسمية!
في جميع الأحوال، فإنه رغم خطورة ظاهرة التنمّر في لبنان، لا تتوافر بعد بيانات وطنية رسمية شاملة تعكس الحجم الفعلي للمشكلة. لكن بحسب المسح العالمي لصحة طلبة المدارس (GSHS)، تبيّن أن حوالي 16.5% من التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 سنة تعرّضوا للتنمّر خلال الشهر الذي سبق الاستبيان، مع نسبة أعلى لدى الذكور (21%) مقارنة بالإناث (12.6%). وفي المقابل، أظهرت دراسة نُشرت في مجلة BMC Pediatrics عام 2021 أن ما يقارب نصف المراهقين (49.9%) ضمن العينة اللبنانية كانوا ضحايا للتنمّر. كما كشفت منظمة Save the Children أنّ “واحدًا من كل اثنين” من الأطفال اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين المشاركين في دراستها قد اختبر التنمّر بشكل أو بآخر.
أما على صعيد الفضاء الرقمي، فلا تزال البيانات شحيحة، لكن إحصاءات قوى الأمن الداخلي بين 2020 و2023 تظهر أنّ 80% من ضحايا العنف الإلكتروني نساء، في حين أنّ الأبحاث الأكاديمية اللبنانية الحديثة ربطت التنمّر الإلكتروني باضطرابات القلق والاكتئاب وحتى التفكير بالانتحار لدى المراهقين.
كل هذه المؤشرات، وإن كانت متفرّقة وغير رسمية على المستوى الوطني، ترسم صورة واضحة عن مدى انتشار التنمّر في لبنان، وتؤكّد الحاجة الماسّة إلى إطلاق مسوح وطنية دورية تشكّل أساساً لوضع سياسات وبرامج وقائية فعّالة لحماية الأطفال واليافعين.
قانون تجريم التنمّر يدخل البرلمان اللبناني… خطوة تشريعية أولى بين الردع والتوعية
على المستوى الرسمي، خطا النائب هاكوب ترزيان خطوة لافتة بتقديم اقتراح قانون يرمي إلى تجريم التنمّر. وقد أعلن ذلك عبر منصّة “إكس”، حيث كتب: “بعد التشاور والتشارك معكم، أيها الأحبّة، تقدّمت اليوم باقتراح قانون تجريم التنمّر، إيمانا مني بضرورة التصدّي الحازم لهذه الظاهرة المتفاقمة، التي تُهدّد السلامة النفسية والاجتماعية لأبنائنا، وتُمعن في تعميق الجراح داخل مجتمعنا”.
وأكد ترزيان أنّ “المقترح لا يقتصر على الجانب العقابي بحدّ ذاته، بل يتجاوز ذلك نحو الردع ونشر التوعية وبناء بيئة قائمة على الاحترام والكرامة والعدالة الاجتماعية. وأضاف: “إنه قانون يستند إلى أسس عادلة ورادعة وملهمة، يُنبت جيلًا ينشأ على المحبّة لا على الإساءة، وعلى التقبّل لا على الإقصاء”.
بهذه الخطوة، يدخل ملف التنمّر للمرة الأولى أروقة التشريع في لبنان، لذلك، تواصلت “الديار” مع النائب هاكوب ترزيان للاستفسار عن بنود القانون أكثر، لكن ترزيان اكتفى بالإجابة عبر تزويد “الديار” بنسخة من نص الاقتراح القانوني الذي رفعه إلى مجلس النواب.
تجريم التنمّر ضرورة لحماية الأطفال والمجتمع
وفي هذا السياق، يوضح منسق الدائرة القانونية لـ “روّاد العدالة” والدكتور الجامعي والمحاضر في كليات الحقوق، المحامي هيثم عزّو، لـ “الديار” أنّ: “بدايةً، يُعرَّف التنمّر قانونيا بأنه كل سلوك عدائي يمارس بهدف السخرية أو التشفي، سواء أكان لفظيا أو حركيا، ماديا أو إلكترونيا، ويُرتكب عن قصد لإلحاق الأذى النفسي أو المعنوي أو الاجتماعي بشخص آخر”. ويقول: “بالاستناد الى ما ذكرته، فإن الأثر النفسي للتنمّر خطر، وقد يؤدي إلى الاكتئاب، الانقطاع عن التعليم أو العمل، وأحيانا الانتحار. من هنا، يقتضي ردع هذه الظاهرة التي باتت تهدد السلامة النفسية والاجتماعية، خاصةً للأطفال وذوي الإعاقة”.
ويؤكد عزّو أنّ: “لتحقيق هذه النتيجة المرجوة من مواجهة التنمر والحد من اثاره، يجب التركيز على محورين: الاول توعوي في البيت والمدرسة والمجتمع، يهدف الى غرس قيم الاحترام والكرامة والعدالة الاجتماعية لبناء جيل محترم ومتقبّل للآخر كما هو؛ والثاني قانوني، يقوم على تجريم وإدانة فعل التنمّر بكل أشكاله. وفي هذا الصدد، تبرز أهمية اقتراح قانون تجريم التنمّر الذي قدّمه النائب هاكوب ترزيان، نظراً الى غياب أي عقوبة على هذا الفعل في المنظومة التشريعية الحالية”.
ويختتم عزّو حديثه بالقول: “نجاح أي قانون ضد التنمّر لا يُقاس فقط بصرامة العقوبات فيه، بل بقدرته على تغيير السلوك المجتمعي وحماية الضحايا بطريقة فعّالة. كما يجب فرض برامج تأهيل وتثقيف إلزامية على مرتكبي التنمّر، إلى جانب العقوبة، وتشديدها في حال التكرار”.
التنمر عالميا… الظاهرة التي لا تعرف حدودا!
بناء على ما تقدم، يجب الاخذ في الحسبان انه في ظل انتشار التنمّر على نطاق واسع، لم تعد هذه المشكلة محصورة في لبنان أو الدول العربية فقط، بل أصبحت تؤرق مجتمعات في شتى أنحاء العالم. وقد أظهرت العديد من الدراسات أن هذه الممارسة العدوانية تؤدي إلى آثار نفسية واجتماعية كارثية، وقد تكون سببا في حالات الانتحار في بعض الدول، كما شهدت مصر عدة حالات مأسوية في هذا السياق. لذلك كان من الضروري التطرق إلى التجارب والخبرات الميدانية للصحفيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان لفهم أبعاد هذه الظاهرة وكيفية مواجهتها.
وفي هذا الإطار، يؤكد الصحفي الناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان في جورنال الحرية في الجمهورية العربية المصرية، د. ثابت درويش، لـ “الديار” أنّ: “التنمر ظاهرة سلبية منتشرة حاليا على نطاق واسع في مجتمعاتنا، وتترك أثرا خطرا في الأفراد، وذلك لأن هذا السلوك العدواني المتكرر يهدف إلى إيذاء أو تخويف شخص آخر، ويمكن أن يكون لفظياً أو جسدياً أو نفسياً”.
ويضيف: “من سلبياته الجسيمة أنّه يؤثر أيضا في الصحة النفسية للضحية، فيولد لها قلقا واكتئاباً، كما يؤدي إلى انخفاض الثقة بالنفس والشعور بالعزلة، وقد ينجم عنه تدهور في الأداء الأكاديمي والمهني”.
كيفية مواجهة هذا الواقع “ممكنة”!
ينصح درويش “بنشر التوعية حول مخاطر التنمر وانعكاسه على الأفراد والمجتمعات. إلى جانب ذلك، لا بد من التدخل المبكر للتعرف على حالات التنمر وحلّها بسرعة. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمستهدفين لمساعدتهم على التعافي، مع تعزيز قيم الاحترام والتسامح”.
ويكشف لـ “الديار” أنّ: “في مصر هناك العديد من حالات التنمر التي أدت بالفعل إلى الانتحار، للأسف. لذا يجب على الحكومة والمجتمع المدني العمل معا لمواجهة التنمر، كما يمكن أن تشمل الإجراءات تطوير سياسات مدرسية وجامعية للتعامل مع التنمر وتوفير الدعم النفسي للمتأذين”.
ويختتم بالتشديد على أنّ: “التنمر ظاهرة متفاقمة وشرسة تتطلب تعاون الجميع للحد منها. من خلال التوعية والتدخل المبكر ودعم الضحايا، يمكننا بناء مجتمع أكثر أمانا واحتراما”.
الديار

