spot_img
السبت, مارس 7, 2026

مشاهدات وشهادات من سجن القبّة.. “سأخرج من هنا لأرتكب مجدّداً”

الرئيسيةمحلياتمشاهدات وشهادات من...

ناقوس الخطر، أيضاً وأيضاً. هذا أوّل ما يتبادر إلى الأذهان في كل مرّة يجرى التطرّق إلى واقع السجون والسجناء في لبنان. لكن بدلاً من دقّ ذلك الناقوس، إذا به يُدفَن تحت تاسع أرض. شأنه في ذلك شأن سجناء كثيرين، بالمعنى الحرفي والمجازي للعبارة. إلى متى غض النظر من قِبَل أصحاب القرار والتصرّف كأن التأجيل متاح؟ لا ندري. لكن إذا كان من عبرة تؤخذ مما يحصل في مختلف الساحات الأخرى من تنويم مغناطيسي للعقول والحلول، فالسجون على موعد محتمل مع ما بعد بعد فوات الأوان.

ليس سرّاً أن مبادرات المعالجة الجدّية مفقودة. ولِمَن يجول في أروقة سجن القبّة في طرابلس أن يشهد على ذلك. الكلام هنا لن يكون عن حالات الاكتظاظ والغرف المزدحمة. كما لن يكون عن الطريقة التي ينام فيها المساجين بجانب المراحيض. ولا عن الطعام الذي يُقدّم إليهم. ثم لن نعرّج على الأمراض الجلدية التي تنتقل عدواها كالنار في الهشيم ولا على الطرق المستخدمة لتسخين ما توافر من ماء الاستحمام. سبق وتطرّقنا وكرّرنا لكن الكلام أشبه بهباء منثور. لكن إذا كانت الصور التي اطّلعنا عليها من هناك عاجزة عن إيقاظ الضمائر النائمة، فَمَن يقدر وكيف؟

دعونا، عوضاً عن ذلك، نركّز الهدف على قضايا قانونية من خلال شهادات حيّة من داخل السجن الطرابلسي. منسّق اللجنة القانونية في المرصد الشعبي لمحاربة الفساد، الدكتور جاد طعمه، قام بزيارة المساجين هناك واستمع إلى مطالبهم القانونية. لكن، قبل ذلك، هذا مطلب إنساني صارخ بحت استوقفنا خلال حديثنا مباشرة مع أحد السجناء: “إرحموا الموقوفين في السجون الإفرادية وقلوب أمّهاتهم من برد الشتاء والجوع وعطش الأمعاء. فجدران زنازينهم تبكي شفقة عليهم. أخرجوهم منها لأن السجن ليس عقاباً، بل إعادة تأهيل. والسجين ليس عدوّاً، بل إنسان قبل كل شيء”. كلام أراد المساجين وذووهم توجيهه إلى وزير الداخلية، بسام مولوي، الذي يُفترض أن يزور سجن القبّة اليوم. ونكمل.

ليست قصصاً خيالية

أكثر من ثمانين شهادة خرج بها طعمه من داخل سجن القبّة. منها ما هو محزن ومؤلم. بعضها ثقيل على الأذن وبعضها الآخر لا يُصدَّق. الحالات تختلف لكن عصارتها واحدة. وحشرجة المعاناة تخرج من طيّاتها. أيمن (اسم مستعار كما جميع الأسماء التي سَتَلي) لا يزال منذ آذار 2022 ينتظر انعقاد جلسة للنظر في قضيته رغم حيازته على إسقاط حق شخصي. وهو موقوف بجرم سرقة دراجة نارية منذ 14 شهراً. أما سمير، الموقوف منذ 16 شهراً بجرم سرقة بترول من خط أنابيب النفط اللبناني – العراقي، والملاحَق من قِبَل الحق العام، لا يزوره أحد وهو أيضاً بانتظار جلسة محاكمته. علماً أن لا قدرة لديه على توكيل محامٍ نظراً لظروفه المادية. أما جلّ ما يطالب به عمر – الموقوف منذ 12 شهراً بدعوى احتيال ليس فيها مدّعٍ شخصي – هو ختم المحاكمة وإصدار حكم بحقّه. رفاق عمر الذين يتشابه واقع قضاياهم مع قضيته أخبروه بأنهم حُكموا بالسجن لمدة ثمانية أشهر. وهو ينتظر.

لخالد قصة أخرى. هو فلسطيني الجنسية وملف قضيته في صيدا، ما يجعل زيارة ذويه له أمراً صعباً. كلّ ما يحتاج إليه هو أن يقوم أحد بتقديم طلب تخلية سبيل له إذ إن من كانوا موقوفين معه في نفس الملف سبق وأخلي سبيلهم. واقع عدنان لا يختلف عن خالد. فهو سوري الجنسية وملفه في بعبدا ولا أقارب له في لبنان لتوكيل محامٍ له. هو أمضى تسع سنوات في السجن. ويؤكد أن سبب دخوله يعود إلى تشابه أسماء لا أكثر. لكن القاضي أصدر قراراً بإدانته. فهل من فرصة أخرى؟

ننتقل إلى جهاد، الذي أنهى فترة محكوميته منذ ثلاثة أشهر بعد أن أمضى في السجن خمس سنوات. إلّا أن محكمة جزاء جونية أصدرت بحقّه حكماً لمدة سنة. وبما أنه يتعذر عليه تقديم طلب إدغام ليخرج من السجن، فهو ما زال قابعاً داخله دون أي وجه حق. في حين أن رائد الذي أمضى سنتين ونصف السنة في السجن يعترف بأنه صاحب سوابق مخدرات، لكنه مظلوم في هذا الملف تحديداً. الجلسة الأخيرة التي حضرها كانت في أيار 2021 ولا يزال بانتظار الحكم. انتظار جعله يجاهر يائساً: “سأخرج من هنا لأرتكب مجدّداً… بلا ندم”.

جمال بدوره دخل السجن قاصراً نتيجة ملف فُبرِك له من أحد الجيران، كما يقول. أمضى ثلاث سنوات خلف القضبان ثم خرج وأحرق منزل جاره “انتقاماً لدموع والدته ولبراءته”. وها هو اليوم مجدداً في السجن. ونكتفي.

إنسان أوّلاً، سجين ثانياً

“شهادات السجناء الحيّة قلبت كياني رأساً على عقب.

لم أتوقّع يوماً أن أتعاطف مع قاتل أو تاجر مخدرات. لكن حين يقف هذا الإنسان أمامك، معترفاً بخطئه، مطالباً بمعرفة مصيره ونوع عقوبته وصدور الأحكام في موعدها – أي، باختصار، مطالباً بالعدالة – لا يمكن إلّا وأن تعترف أنه بغياب العدالة تسود شريعة الغاب”.

بهذه الكلمات وبحرقة شديدة يختصر طعمه تجربته داخل سجن القبّة.

حجم الإحتقان والنقمة على القضاء في صفوف السجناء لا يوصف، على حدّ قوله. وهؤلاء يخصّون بالذكر القاضي الذي انتُدب بدلاً من وزير الداخلية الحالي في محكمة جنايات طرابلس، والذي يتقاعس عن إصدار القرارات في موعدها وعن عقد جلسات المحاكمة كونه يشغل منصباً قضائياً آخر بالأصالة. وماذا بعد؟ “هناك رغبة واضحة لدى السجناء بالانتقام ممّن ظلمهم وممّن أبكى أهاليهم وأجبرهم على تكبّد أموال طائلة لزيارتهم في سجن شمالي رغم أن دعاوى البعض منهم تدور في محافظات أخرى كجبل لبنان أو الجنوب”، يضيف طعمه. بعضهم محروم من رؤية أمّهاتهم أو أطفالهم لأن تأمين الطعام لهؤلاء في ظلّ الظروف المعيشية الصعبة أولى من تحمّل مصاريف التنقلات.

ويردف طعمه: “كلام يصدر محمّلاً بغصّة وحرقة تضع المرء وجهاً لوجه مع شعوره الإنساني”. لكن هل تقف المعاناة عند هذا الحدّ؟ طبعاً لا. فشكاوى السجناء المتمحورة حول عدم القدرة على إرسال طلبات تخلية السبيل أو الإستحصال على معلومات تتعلّق بملفاتهم بسهولة، نتيجة أزمة القرطاسية والإنتقال، هي مشكلة أخرى تجتاح الإدارات العامة وأقلام المحاكم فضلاً عن السجون.

السجناء، بحسب طعمه، يؤكّدون عدم إلقائهم اللوم على الإدارة السجنية، كونهم يشعرون أن العناصر الأمنية ليسوا أفضل حالاً منهم. لكن أن يقبع المرء – ظالماً كان أم مظلوماً – تحت جنح ظلام غرف السجن الموحشة بانتظار قرار قضائي ما قد يأتي وقد لا يأتي، فهذا ليس للضحية والجلّاد من العدالة بشيء.

من أين تأتي الحلول؟

ذوو المساجين شركاؤهم في المعاناة. ماذا تقول نائبة رئيس جمعية لجان أهالي الموقوفين رائدة الصلح؟ “المناشدة اليوم نابعة من قلب أهالي السجناء، معاناتهم تتجدّد وتتزايد كل لحظة يتواجد فيها أبناؤهم منسيّين داخل السجون ومع كل حديث عن كارثة بشرية أو جائحة مرضية أو هزة أرضية”. معاناة قلبية ووجدانية تتصارع مع واقع مؤلم وذكريات متناثرة على طرقات حفظوها عن ظهر قلب.

والمقصود الطرقات المؤدّية إلى السجون والمعبّدة بكثير من الحزن والدموع والقلق والألم. الصلح ناشدت المعنيين، باسم أهالي السجناء، بأن يتحمّلوا مسؤولياتهم، وعلى رأسهم وزير العدل. فَمِن خلاله، كما تتابع، تُرفع القضية بوضع حدّ لمأساة مئات العائلات وأكثر من تسعة آلاف سجين موزّعين على سجون ونظارات معظمها مهترئ وبعضها على حافة السقوط فوق رؤوس قاطنيه.

“نطالب وزير العدل باعتبار أبنائنا السجناء رهائن. فكما فككتم مؤخّراً أسر أحد “الرهائن” في قضية المرفأ وأخرجتموه من البلد، ليتكم تفكّون أسر رهائننا وتخرجونهم إلى الحياة. فكّروا فقط بحال كل أمّ حين تسمع بانهيار سقف سجن فوق رأس ابنها ومن معه”. الزوجات يعانين أيضاً. والأبناء يكبرون بعيدين عن آبائهم لمجرّد تأخير في إصدار حكم أو استهتار في تحقيق عدالة. فمن يعوّض ذلك؟ تتساءل الصلح التي تنهي: “رغم كل شيء يبقى السجين إنساناً، له كرامته ويحقّ له التمتع بفرصة أخرى للانخراط في المجتمع. الحلّ لن يكون إلا بعفو عام شامل وعادل أو أي مخرج إنقاذي آخر عن طريق إبطال التوقيف الإحتياطي وإقرار قانون السنة السجنية وتحديد الإعدام بـ30 سنة والمؤبّد بـ25 سنة. على أن يشمل التخفيض ستة أشهر لجميع المحكومين ولو لمرة واحدة كي يُزاح هذا العبء عن كاهل الدولة والسجناء وذويهم معاً”.

الظروف القائمة في سجن القبّة، على سبيل المثال لا الحصر، تجعل الحديث عن تحقيق الهدف المرجو من عقوبة السجن – وهي الإصلاح – في غير مكانه.

وهذا السجن، كالغالبية العظمى من سجون لبنان، هو “بيئة حاضنة” لإعداد أفراد حاقدين على الدولة وعلى المجتمع في آن، برأي طعمه. فأين الهدف الذي تتوخّاه تشريعات عقوبة السجن من ذلك؟ السجون تحتاج إلى التفاتة جدّية من الجهات الرسمية المعنية. هذا كلام قديم جديد لكنه يصبح أكثر إلحاحاً يوماً بعد يوم. وهذه مفارقة لا بدّ من التوقّف عندها. فالقضاء نفسه الذي يهمل متابعة ملفات موقوفين وإصدار أحكام نراه ناشطاً جداً على مستوى ملاحقة أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت. ومسرحاً لصراعات داخلية حول إمكانية متابعة التحقيقات بجدّية. ومتردّداً في وضع اجتهاد قانوني حاسم حيال عدم قانونية تعاميم حاكم مصرف لبنان وتصرّفات المصارف تجاه المودعين. أليس هو القضاء نفسه؟ يا للمفارقة…

كارين عبد النور – نداء الوطن

Copyright © TOPSKY NEWS

اسمٌ عاد إلى الواجهة...

اسمٌ عاد إلى الواجهة مع “عملية النبي شيت” الغامضة.. من هو رون آراد؟ عاد اسم الطيار...

اسمٌ عاد إلى الواجهة مع “عملية النبي شيت” الغامضة.. من هو رون آراد؟

اسمٌ عاد إلى الواجهة مع “عملية النبي شيت” الغامضة.. من هو رون آراد؟ عاد اسم الطيار الإسرائيلي رون آراد إلى الواجهة فجر اليوم السبت، مع...

هل تعود الجامعة اللبنانية الى التعليم الحضوري؟

هل تعود الجامعة اللبنانية الى التعليم الحضوري؟ المركزية - أشار رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران للـLBCI الى أن هناك استحالة للعودة الى التعليم الحضوري الآن إذ...

أسعار النفط تحلّق

أسعار النفط تحلّق إرتفعت أسعار النفط في التعاملات الآسيويّة اليوم الخميس، مع تصاعد المخاوف من استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول، في ظلّ الحرب الدائرة...

للاتصالات المشبوهة والتهديدات.. هذا ما عليكم فعله!

للاتصالات المشبوهة والتهديدات.. هذا ما عليكم فعله! في حال وردتكم إتصالات هاتفية من أرقام مشبوهة وتهديدات بالإخلاء، يرجى تبليغ الأجهزة الرقابية المعنية فورا. المديرية العامة لقوى...

اسمٌ عاد إلى الواجهة مع...

اسمٌ عاد إلى الواجهة مع “عملية النبي شيت” الغامضة.. من هو رون آراد؟ عاد اسم الطيار الإسرائيلي رون آراد إلى...

زوّدوا إسرائيل بمعلومات حساسة.. الأمن...

زوّدوا إسرائيل بمعلومات حساسة.. الأمن العام يوقف ثلاثة عملاء! صدر عن مكتب شؤون الإعلام في المديرية العامة للأمن العام البيان...

قيادي في حـــــزب الله: فلتكن...

قيادي في حـــــزب الله: فلتكن حرباً مفتوحة أصدر نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي بيان موده الى اهالي...

رسائل تحذيرية وصلت إلى المقرات...

رسائل تحذيرية وصلت إلى المقرات الرسمية.. "لا تتدخلوا" وإلا! الحرب الاميركية على ايران وتداعياتها على لبنان، والانتخابات النيابية عنوانا هذا...

هل تعود الجامعة اللبنانية الى التعليم الحضوري؟

هل تعود الجامعة اللبنانية الى التعليم الحضوري؟ المركزية - أشار رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران للـLBCI الى أن هناك استحالة للعودة الى التعليم الحضوري الآن إذ...

ثلاثة سيناريوهات لتنفيذ قرار 2 آذار: هل يتجه لبنان نحو الصدام أم التسوية؟

بقلم :د.ميراي زيادة منذ أكثر من أربعة عقود، يعيش لبنان معادلة ملتبسة: دولة تعلن سيادتها، وسلاح يعمل خارجها.كانت الحكومات المتعاقبة تتجنب الاقتراب من هذه المسألة،...

من 50 مليون ليرة إلى 250 ألف دولار… ماذا يحدث في ملف “المارينا”؟

من 50 مليون ليرة إلى 250 ألف دولار… ماذا يحدث في ملف “المارينا”؟ بعد موافقة عدد من المؤسسات السياحية الكبرى في ضبية على تصحيح تكاليفها...

هل تعود الجامعة اللبنانية الى التعليم الحضوري؟

هل تعود الجامعة اللبنانية الى التعليم الحضوري؟ المركزية - أشار رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران للـLBCI الى أن هناك استحالة للعودة الى التعليم الحضوري الآن إذ...

ثلاثة سيناريوهات لتنفيذ قرار 2 آذار: هل يتجه لبنان نحو الصدام أم التسوية؟

بقلم :د.ميراي زيادة منذ أكثر من أربعة عقود، يعيش لبنان معادلة ملتبسة: دولة تعلن سيادتها، وسلاح يعمل خارجها.كانت الحكومات المتعاقبة تتجنب الاقتراب من هذه المسألة،...

من 50 مليون ليرة إلى 250 ألف دولار… ماذا يحدث في ملف “المارينا”؟

من 50 مليون ليرة إلى 250 ألف دولار… ماذا يحدث في ملف “المارينا”؟ بعد موافقة عدد من المؤسسات السياحية الكبرى في ضبية على تصحيح تكاليفها...

بين تأجيل الانتخابات وتمديد البرلمان

بقلم د. ميراي زيادة- لم يعد السؤال المطروح في الكواليس السياسية ما إذا كانت الانتخابات النيابية ستُجرى في أيار، بل كيف يمكن الوصول إلى...

موقف حاسم للرئيس عون: لا لتأجيل الانتخابات

موقف حاسم للرئيس عون: لا لتأجيل الانتخابات جاء في “نداء الوطن”: أكّدت مصادر مواكبة للقاءات رئيس الجمهورية في اليومين الأخيرين أنّ جميع زواره لمسوا موقفًا حاسمًا...

ما هو مجلس الشيوخ؟ وما الفرق بينه وبين مجلس النواب؟

منصة topskynews - ما هو مجلس الشيوخ؟ في بعض الدول، يعتمد النظام البرلماني على غرفتين تشريعيتين، حيث يشكل مجلس الشيوخ الغرفة العليا إلى جانب مجلس...